بحسب دراسة صادرة عن مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير، يستند هذا الطرح إلى مقاربة ترى في التكامل الاقتصادي وتشابك المصالح أداة لتخفيف التوترات السياسية، وتقليص الحساسية السيادية بين الدول المتجاورة. ويفترض هذا النموذج أن المصالح الاقتصادية المتبادلة يمكن أن تُنتج بيئة أكثر استقراراً، وتحدّ من احتمالات الصراع، عبر تحويل الحدود من نقاط مواجهة إلى فضاءات ربح مشترك، غير أن هذه الفرضية تصطدم بواقع سياسي وأمني معقّد في حالات النزاع غير المتكافئ، حيث تتحول الأدوات الاقتصادية من وسائل تهدئة إلى أدوات نفوذ وضغط.
نماذج المناطق الاقتصادية المشتركة
المناطق الاقتصادية الخاصة الحدودية
توضح الدراسة أن المناطق الاقتصادية الخاصة الحدودية، أو ما يُعرف بـSpecial Border Economic Zones (SBEZ)، تُسوَّق كأدوات لتعزيز التنمّة المحلية وخلق فرص عمل وتنشيط التجارة بين الدول المتجاورة، مع تقليص الأنشطة غير الشرعية. لكنها تشير إلى أن هذه الفكرة تواجه تحديات كبيرة في مناطق النزاع، حيث تعقيدات السيادة والإدارة تجعلها عرضة لاستغلال الطرف الأقوى، وقد تتحول الاستثمارات إلى هشّة، وتصبح المنطقة وسيلة لتعزيز النفوذ وفرض الوقائع بدل أن تكون مساحة تعاون حقيقيّة.
مناطق التنمية المشتركة
تشير الدراسة إلى أن نموذج مناطق التنمية المشتركة يُستخدم لتأجيل مسألة السيادة على الأرض أو الموارد، مع إنشاء آليات مشتركة لإدارة واستثمار الثروات، كما حصل في حقل أمبالات بين إندونيسيا وماليزيا والمنطقة المحايدة بين السعودية والكويت.
هذا النموذج يسمح باستغلال الموارد مؤقتاً، لكنه يحمل مخاطر الغموض السيادي واحتمال انهيار الاتفاقات إذا تغيّر المناخ السياسي، فضلاً عن نزاعات حول تقاسم العائدات. كما يتطلب نجاحه أطراً قانونية وإدارية معقدة لضمان الشفافية وتوزيع المخاطر، وإلا تصبح الاستثمارات عرضة للفشل.
الممرات والمناطق الاقتصادية العابرة للحدود
تتناول الدراسة نموذج الممرات الاقتصادية العابرة للحدود، التي تتجاوز مفهوم المنطقة الاقتصادية المحدودة، لتطرح شبكات بنى تحتية وتجارية واسعة تربط بين عدة دول. وتُقدَّم هذه المشاريع بوصفها أدوات لتعزيز التكامل الإقليمي وربط الأسواق.
غير أن هذه الممرات لا تُنهي النزاعات السياسية القائمة، بل قد تتحول إلى ساحات تنافس جيوسياسي بين القوى الكبرى. كما أن الكلفة المالية المرتفعة لهذه المشاريع، والتي غالباً ما تُموَّل عبر الديون، ما يعرّض الدول الأضعف لمخاطر اقتصادية جسيمة في حال لم تحقق المشاريع عوائد متوازنة.
المنطقة الاقتصادية كأداة لإعادة الهندسة الديموغرافية
في الحالة اللبنانية، ترصد دراسة مركز الاتحاد طرح أفكار متكررة لتأسيس منطقة اقتصادية عازلة على الحدود الجنوبية مع فلسطين المحتلة. وتُظهر الدراسة أن هذه الطروحات لا تنفصل عن أهداف إعادة رسم التوازنات الديموغرافية والأمنية في الجنوب.
وتشير إلى تداول تقارير أميركية وإسرائيلية تتحدث عن إنشاء منطقة اقتصادية عازلة، تُحوَّل فيها قرى وجبال الجنوب إلى منصات استثمارية وصناعية مرخّصة، محاطة بحماية خارجية، وتُخضع عملياً لقوانين الطرف الآخر. وبحسب الدراسة، جرى الترويج لهذه الأفكار على أنها مشاريع تنموية، في حين أن جوهرها يتمثل في إخضاع المنطقة لشروط أمنية وسيادية جديدة.
كما تلفت الدراسة إلى أن مسؤولين أميركيين روّجوا لهذه الفكرة في سياق ربطها بتقديم تعويضات مقابل تسليم سلاح المقاومة، واعتبار المنطقة الاقتصادية خطوة تمهيدية لإعادة تشكيل الواقع الأمني والسياسي في الجنوب.
كيف تُسوَّق المشاريع التوسعية؟
تشير الدراسة إلى أن تسويق المناطق الاقتصادية في سياقات النزاع يعتمد على مزيج من الوعود التنموية والضغوط السياسية والأمنية واستغلال نقاط ضعف الطرف المستهدف.
- الغطاء التنموي والاقتصادي: تُسوَّق المناطق الاقتصادية كمشاريع استثمارية توفر فرص عمل وتحسّن مستوى المعيشة، بينما قد تخفي أهدافاً لتغيير التوازن السكاني والسياسي، كما في مشروع «ريفييرا غزة».
- الإغراء المالي والديموغرافي: تُستخدم الحوافز الاقتصادية والأراضي لتشجيع الهجرة أو التخلي عن السلاح، بهدف تفكيك البنية الاجتماعية تحت غطاء التنمّة، كما ظهر في غزة وجنوب لبنان.
- الضغط الأمني والسياسي: يُصاحب الطرح الاقتصادي خطاب أمني يربط المشروع بنزع السلاح أو إنشاء مناطق منزوعة السلاح، كشرط لتنفيذه.
- استغلال الهشاشة الداخلية: يقوم داعمون خارجيون بتجنيد نخب محلية للترويج للمشاريع، مع إخفاء أهداف سياسية خلف شعارات التنمّة الاقتصادية، كما حدث في لبنان.
- استخدام المنطقة الاقتصادية كورقة تفاوض: تُستغل المشاريع الاقتصادية كأداة للتفاوض مقابل تنازلات سياسية أو أمنية، مع إبرازها كخطوة تعاون، لكنها تخدم أهدافاً سياسية لإعادة تشكيل المشهد الإقليمي وفرض شروط على لبنان.
وكيف يُدفع لبنان نحو القبول؟
ترصد دراسة مركز الاتحاد مجموعة من أدوات الضغط التي يمارسها العدو الإسرائيلي، بدعم أميركي مباشر، لدفع لبنان نحو القبول بمشروع المنطقة الاقتصادية وشروطه السياسية والأمنية:
- الضغط العسكري والميداني: يستخدم العدو الإسرائيلي الغارات والقصف المدفعي والضربات الجوية المستمرة لاستهداف الجنوب اللبناني وخلق ضغط سياسي وأمني لإجبار لبنان على التنازل.
- الاحتلال المستمر لأراضٍ لبنانية: يواصل الاحتلال الإسرائيلي للنقاط الخمس جنوب لبنان، ما يشكّل عامل ضغط دائم ويؤكد أن أي تسوية اقتصادية تُطرح تتم في ظل وجود احتلال فعلي.
- الضغط الدبلوماسي والاقتصادي: تمارس الولايات المتحدة ضغوطاً لإجبار لبنان على نزع سلاح حزب الله مقابل تسهيلات اقتصادية، مع تحديد مهلات زمنية وتهديد بعقوبات وعزلة دولية، ما يهدف إلى دفع لبنان لقبول شروط إسرائيلية–أميركية قسرية.
الأهداف الإسرائيلية من المنطقة الاقتصادية
بحسب دراسة مركز الاتحاد، لا يمكن فصل طرح المنطقة الاقتصادية في جنوب لبنان عن جملة أهداف استراتيجية يسعى العدو الإسرائيلي إلى تحقيقها.
- نزع سلاح المقاومة وتأمين الحدود: الهدف المعلن إسرائيلياً يتمثل في إنهاء وجود حزب الله العسكري وتجريده من قدراته، حيث يشترط العدو نزع السلاح قبل أي تعاون اقتصادي.
- المكاسب الاقتصادية والإقليمية: يركز العدو على شراكات محتملة في إدارة الموارد المائية والطاقة، بما يتيح له الوصول إلى الموارد اللبنانية أو التأثير في إدارتها.
- رافعة سياسية داخلية وخارجية: تستخدم حكومة العدو الطرح الاقتصادي داخلياً لتعزيز صورتها، وخارجياً لتسويق نفسها كطرف داعم للاستقرار الاقتصادي، بينما يهدف المشروع إلى فرض توازن قوى جديد يضمن سيطرة العدو على الحدود والمياه اللبنانية وحصر النفوذ اللبناني.
تخلص دراسة مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير إلى أن أي مشاريع اقتصادية بين لبنان والعدو الإسرائيلي لا يمكن فصلها عن السياق السياسي والأمني للصراع، حيث تتحول المناطق الاقتصادية الخاصة أو الممرات العابرة للحدود من أدوات تنمّة إلى مناطق عازلة مقنّعة، أو مناطق أمنية تعزز الأمن الإسرائيلي، أو مداخل لتنازلات سيادية تدريجية، كما أن اختلال ميزان القوة يجعل هذه المشاريع فخاً استراتيجياً يُعيد إنتاج النزاع بشروط الطرف الأقوى، ويعرض الموارد الوطنية للابتزاز والتعطيل، بينما يُسوَّق المشروع اقتصادياً لكنه في جوهره أداة لإعادة هندسة سياسية وديموغرافية وأمنية في المناطق الحدودية.

